الفتيات والاضطرابات النمائية العصبية في المدرسة: رصد ما خفي وتكييف الدعم والتوجيه
8 دقائق للقراءة
تاريخياً، يُشخَّص طيف التوحد واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه لدى الفتيان بمعدلات أعلى بكثير من الفتيات. غير أن المعطيات الحديثة تُظهر أن الفتيات غالباً ما يمررن دون رصد كافٍ؛ ويعود ذلك بالأساس إلى قدرتهن العالية على التمويه الاجتماعي والتماهي مع التوقعات المدرسية، ما قد يقود إلى تفسيرات غير دقيقة لحالتهن ويؤثر على توجيههن ومسارهن التعليمي.
فجوة حقيقية توضحها الدراسات الحديثة
سجلت الإحصاءات التقليدية نسباً تميل بوضوح لصالح الفتيان في تشخيص طيف التوحد وفرط الحركة ونقص الانتباه. لكن هذه النسب لا تعني بالضرورة أن الفتيات أقل تأثراً، بل تعكس في جانب كبير منها نقصاً في الرصد المبكر.
تُظهر الأبحاث أن الإناث غالباً ما يحصلن على التشخيص أو الدعم المناسب في عمر متأخر مقارنة بالذكور، بفارق قد يصل إلى عدة سنوات في بعض الأحيان.
يعود جزء من هذا التأخر إلى التاريخ العلمي؛ إذ استندت الأوصاف الأولى للتوحد ولفرط الحركة ونقص الانتباه إلى مجموعات كان أغلبها من الذكور، مما جعل المعايير تركز على المظاهر الأكثر وضوحاً وحركية، في حين تظل المظاهر غير المصحوبة بفرط حركة، مثل التشتت الذهني الهادئ، أقل لفتاً للانتباه.
لماذا تمر الصعوبات دون ملاحظة داخل الفصل؟
تلجأ العديد من الفتيات إلى 'التمويه' الاجتماعي، وهو بذل جهد واعٍ ومستمر لمحاكاة سلوك الزميلات ومجاراة القواعد الاجتماعية بدقة متناهية لتجنب الظهور بمظهر مختلف.
في حالة طيف التوحد، قد تكون الاهتمامات المركزة مقبولة ومألوفة اجتماعياً (مثل الرسم، القراءة، رعاية الحيوانات)، فلا تلفت النظر بموضوعها بل بكثافتها وشدتها والحاجة إلى الحفاظ عليها.
أما في حالة اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، فغالباً ما يتجلى في صورة أحلام يقظة، أو شرود هادئ، أو تنظيم مفرط للدفاتر لإخفاء الفوضى الذهنية. يُنظر إلى هذه السلوكيات خطأً على أنها مجرد خجل أو هدوء طبع، بينما تدفع التلميذة ثمناً باهظاً من طاقتها النفسية والجسدية للحفاظ على هذا التوازن الظاهري.
من أبرز الملاحظات الدالة على هذا التمويه: التفوق أو الانضباط التام في الصف مقابل الانهيار التام من البكاء أو الإرهاق فور العودة إلى المنزل، تجنب العمل الجماعي بأسلوب انسحابي هادئ، والشكاوى الجسدية المتكررة (مثل آلام البطن أو الصداع) الناتجة عن التوتر المتراكم.
كيف تتبدى التحديات عبر المراحل الدراسية؟
في مرحلة الروضة والسنوات الأولى: تبرز التلميذة بقدرة ممتازة على التقليد والمحاكاة وتبدو 'هادئة ومطيعة'، بينما تقتصر نوبات الغضب أو الإرهاق الشديد على محيط المنزل بعد انتهاء الدوام.
في المرحلة الابتدائية: تبني التلميذة علاقات صداقة سطحية، وغالباً ما ترتبط بصديقة واحدة فقط تعتمد عليها كمرجع اجتماعي. يظهر التزام صارم بالقواعد المدرسية وقلق بالغ من ارتكاب الأخطاء، مع خطر تراجع الثقة بالنفس عند اتساع الفجوة بين الجهد المبذول والنتيجة.
في المرحلة الإعدادية: ترتفع الأعباء الاجتماعية بصورة ملحوظة (تغير المجموعات، تعقد الرموز العلائقية)، ويصبح التمويه اليومي مرهقاً للغاية، مما قد يؤدي إلى ظهور علامات قلق أو تراجع دراسي يبدو مفاجئاً للفريق التعليمي.
في المرحلة الثانوية: يتزايد الإرهاق تزامناً مع تزايد متطلبات الاستقلالية والتحضير للامتحانات المصيرية واختيار التخصصات؛ مما يستوجب الانتباه كي لا يُفسر القلق أو الإنهاك بعيداً عن أصله النمائي العصبي.
أثر ذلك عملياً على التوجيه والدعم الدراسي
قد تُحرم التلميذة التي تبدو 'متأقلمة' ظاهرياً من تكييفات تربوية ضرورية (مثل تمديد الوقت في الاختبارات أو تخفيف العبء الحسي والبيئي)، مما يهدد بتعثر حاد وغير متوقع عند مواجهة استحقاقات حاسمة.
لا يحتاج تقديم التسهيلات التربوية اليومية في الصف إلى إجراءات معقدة؛ فبإمكان المعلم بالتعاون مع الأسرة تطبيق تدابير مرنة وداعمة بمجرد ملاحظة مؤشرات الإجهاد.
تنبغي مراعاة الرقابة الذاتية التي تمارسها التلميذة على طموحاتها؛ فقد تبتعد عن مسار تعليمي تحبه خوفاً من التغيرات المفاجئة، أو البيئات الصاخبة، أو العمل الجماعي الإجباري. يساعد الحوار الصريح في التفريق بين رغباتها الحقيقية والمخاوف الحسية أو التنظيمية التي يمكن معالجتها وتكييفها.
دور الفريق التعليمي: الملاحظة الميدانية دون إطلاق أحكام
تدوين وقائع محددة ومؤرخة دون تأويل شخصي: رصد المواقف التي تثير التوتر، والجهد المبذول، والفترة التي تحتاجها التلميذة لاستعادة طاقتها، وما نجح من حلول بسيطة.
فتح باب النقاش الودي مع الأسرة للمقارنة الإيجابية بين سلوك التلميذة في الصف وسلوكها في البيت، والإنصات المباشر للتلميذة في بيئة آمنة وهادئة.
التأكيد على أن آليات التمويه ليست حكراً على الفتيات فقط، وإن كانت أكثر شيوعاً لديهن؛ فالمعيار الأساسي هو الملاحظة الدقيقة لاحتياجات كل متعلم بمعزل عن أي قوالب نمطية.
نقاط ينبغي الانتباه إليها
تجنب إصدار تشخيصات أو إطلاق تسميات؛ فالدور التعليمي يقتصر على الملاحظة التربوية وتوفير بيئة تعلم مناسبة.
احترام رغبة التلميذة في الخصوصية وعدم كشف صعوباتها أمام زملائها داخل الفصل.
النظر إلى مجمل المؤشرات والسياقات المختلفة بدلاً من الاعتماد على علامة معزولة، للتمكن من تقديم المشورة المناسبة للأسرة بشأن استشارة المختصين متى دعت الحاجة.
أسئلة متكرّرة
- ما هو التمويه الاجتماعي أو القناع لدى الفتيات في المدرسة؟
- هو بذل جهد مستمر ومكثف لتقليد سلوكيات الآخرين ومسايرة التوقعات الاجتماعية داخل الصف لإخفاء الصعوبات النمائية، وغالباً ما ينعكس هذا الجهد في إرهاق جسدي ونفسي شديد خارج المدرسة.
- لماذا تبدو التلميذة متفوقة في الصف وتنهار بالبكاء فور العودة للمنزل؟
- لأنها استنفدت طاقتها بالكامل طوال ساعات الدوام للحفاظ على التركيز والمظهر المقبول، وحين تصل إلى بيئتها الآمنة في المنزل تنفجر المشاعر والتوترات المتراكمة نتيجة الإنهاك العصبي والحسي.
- كيف يساعد المعلم التلميذة دون تقديم تشخيص؟
- من خلال توثيق الوقائع بموضوعية، وتوفير بيئة فصل هادئة وواضحة المعالم، والتواصل مع الأسرة بلطف لمقارنة الملاحظات وتنسيق الدعم التربوي المباشر.
المصادر
محتوى إعلامي. لا يُعدّ تشخيصًا ولا نصيحة طبية، ولا يُغني عن متابعة مهنية.
الموقع الكامل بالفرنسية